قال أبو معاذ: يعني قوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) أي: يذاب ما في بطونهم خاصة، وأمَّا الجلود فإتها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر ولا ينصهر، وقال: هذا مثل قول العرب: (أتيته فأطعمني واللَّه ثريدًا، واللَّه ولبنا قارصا - أي: حامضا - واللَّه فإزارًا ورداءً، واللَّه وحملانا فارها) تصير لكل شيء فعلا يشاكله، وفي القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(22)
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، كقوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(23)
أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ) .
وقوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) ذكر هذا - واللَّه أعلم - لقوم رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) ، وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي بما ذكر إلا النساء خاصة.