عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ} قَالَا:"مِنْ أَهْلِهِ، {وَالْبَادِ} الَّذِي يَأْتُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ , هُمَا فِي حُرْمَتِهِ سَوَاءٌ"
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ صَدَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ أَرَادَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَضَاءَ نُسُكِهِ فِي الْحَرَمِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، فَالْكَافِرُونَ بِهِ يَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ عَنْهُ.
ثُمَّ قَالَ: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ خَبَرَهُ عَنِ اسْتِوَاءِ الْعَاكِفِ فِيهِ وَالْبَادِ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ صَدُّوا عَنْهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , وَذَلِكَ لَا شَكَّ طَوَافُهُمْ وَقَضَاءُ مَنَاسِكِهِمْ بِهِ , وَالْمُقَامُ، لَا الْخَبَرُ عَنْ مِلْكِهِمْ إِيَّاهُ , وَغَيْرِ مِلْكِهِمْ.
وَقِيلَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فَعَطَفَ بِـ (يَصُدُّونَ) , وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ , عَلَى (كَفَرُوا) وَهُوَ مَاضٍ، لِأَنَّ الصَّدَّ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَهُمْ وَالدَّوَامِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِلَفْظِ الِاسْمِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ، وَلَا يَكُونُ بِلَفْظِ الْمَاضِي.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ صِفَتِهِمُ الصَّدُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} .