وترددَ بعضُ العلماء في وجوبِ الكفارةِ في هذا القسم ؛ لترددِّ نظر بين
اللفظِ والمعْنَى. فلفظُهُ معلَّق بالمشيئةِ ، ومعناهُ الجزمُ بالفعلِ غير معلقٍ ، وإنَّما
ذكرَ الاستثناء تحقيقًا وتأكيدًا للفعلِ.
وفي الجملةِ: فينبغي حملُ حديثِ زيدِ بنِ ثابتِ هذا على هذا المعنى.
وأنْ تُقدَّم المشيئةُ على كل قولٍ يقولُه وحلفٍ يحلفُهُ ونذرٍ ينذرُهُ ، ليخرجَ بذلكَ
من عُهدةِ استقلالِ العبدِ بفعلهِ ، وليحققَ العبدُ أنَّه لا يكونُ مما يعزم عليه العبدُ
ويقولُه من حل ونذرٍ وغيرِهِما إلا ما شاءَ اللَّهُ وأرادَهُ ، ولهذا قالَ بعدَهُ:"ما"
شئتَ كان وما لم تشأ لم يكنْ ، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بكَ ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير"."
فتبرَّأ من حولِهِ وقوتِهِ ومشيئتِه بدون مشيئةِ اللَّهِ وحولِهِ وقوتِهِ ، وأقرَّ لربِّه
بقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ وأنَّ العبدَ عاجز عن كلِّ شيءٍ إلا ما أقدرَهَ عليه ربّه.
ففي هذا الكلامِ: إفرادُ الربِّ تعالى بالحولِ والقوةِ والقُدرةِ والمشيئةِ ، وأنَّ
العبدَ غيرُ قادرٍ من ذلكَ كلِّه إلا على ما يقدره مولاهُ ، وهذا نهايةُ توحيدِ
الربوبيةِ.
وللشافعيِّ من أبياتٍ شعر:
ما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ ... وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ
وقد حملَ طائفة منهُم الإمامُ أحمدُ كلامَ ابنِ عباسٍ في تأويلِ الآيةِ على
وجهٍ آخرَ ، وهو: أنَّ الرجلَ إذا قال: لا أفعلُ كذا وكذا ، ثم أرادَ فعلَهُ فإنَّه
يستثنِي ، ويقولُ: إن شاءَ اللَّهُ ، ثم يفعلُهُ ويتخلَّصُ بذلكَ من الكذبِ إذا لم
يكنْ حلف على يمين.
وكان يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ ، إذا قالَ: لا أفعلُ كذا. لا يفعلُه أبدًا ، فإذا
قيلَ له: لم تحلفْ ؛ يقولُ: هذا أشدُّ - يعني الكذبَ - لو كنتُ حلفتُ كان
أهونُ ، كُنتُ أكفِّرُ يميني وأفعلُهُ.
وسُئل الإمامُ أحمدُ عمَّن يقولُ: لا آكلُ ثم يأكلُ ، قال: هو كذبٌ ، لا
ينبغي أنْ يفعلَ ذلك.