قال حمادُ بنُ زيدٍ: جعلَ رجلٌ لرجلٍ جُعلاً على أنْ يعبرَ نهرًا ، فعبرَ حتى
إذا قربَ من الشطِّ ، قال: عبرتُ واللَّهِ ، فقالَ له الرجلُ: قلْ إن شاء اللَّهُ.
فقال: شاءَ اللَّهُ أو لم يشأ ، قال: فأخذَتْهُ الأرضُ.
فلا ينبغي لأحدٍ أن يُخبر بفعلٍ يفعله في المستقبلِ إلا أنْ يُلحقَهُ بمشيئةِ اللَّهِ.
فإنَّه ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأ لم يكنْ.
والعبدُ لا يشاءُ إلا أنْ يشاءَ اللهُ له.
فإذا نسِيَ هذه المشيئةَ ثم تذكَّرها فقالَهَا عند ذكرها ولو بعدَ مدةٍ ، فقد
امتثلَ ما أُمِرَ به ، وزالَ عنه الإثمُ ، وإنْ كان لا يرفعُ ذلك عنه الكفارةَ ،
ولا الحِنثَ في يمينِهِ ، ولهذا في كلامِ أبي الدرداءِ: اللَّهُمَ اغفرْ لي وتجاوزْ عنِّي.
فلم يسألْ إلا رفعَ الإثم دونَ رفع الكفارةِ.
رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرِ ، في قولِهِ تعالي: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) .
قال: يقولُ: إذا حلفتَ فنسيتَ الاستثناءَ فاستثنِ إذا ذكرتَ.
ولو بعدَ خمسةِ أشهرٍ أو ستةَ أشهرٍ ؛ فإنَّه يجزئك ما لم تحنثْ.
خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسِ في"تفسيرِهِ".
وعلى هذا حَملَ قولَ ابنِ عباسٍ وأصحابهِ طائفةٌ من العلماءِ ، منهُم:
أبو مسعودٍ الأصبهانيُّ الحافظُ وابنُ جريرِ الطبريُّ.
وكذا يُقال في هذا الحديثِ من تقدُّم الاستثناء ؛ فإنَّ تقديمَه أبعدُ من تأخير
عن اليمينِ ، فإنَّ اليمينَ لم تُوجد بالكليَّة وفي تأخيره وجدتْ.
وقد قالَ مالكٌ في الاستثناءِ في اليمينِ: إنْ ذكرَ المشيئةَ يريدُ بها الاسثتناءَ
نفعَهُ ذلك في منع الحنثِ ، وإنْ كان إنَما أراد امتثالَ قولِهِ تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، ثم حنثَ ، فإنَي
أرى الكفارةَ نقلَهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه وكذلك حكاهُ أبو عُبيد عن بعضِ العلماءِ.