{وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} (21) [الكهف: 21] جعل إيقاظهم من نومهم الطويل دليلا على البعث عن الموت؛ لأن النوم أخو الموت بجامع تعطل الحس، غير أن الموت نوم ثقيل، والنوم موت خفيف، ومن ثم قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» (1) وحكي عن المسيح أنه كان يقول: «يا بني إسرائيل كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون» كل ذلك إشارة إلى تقارب النوم والموت، ولهذا سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم أفي الجنة
نوم؟ قل: «لا لأن النوم أخو الموت» (1) وفي الأثر: عجبت لمن ينكر البعث، وهو كل يوم يموت ثم يبعث! فأما قول أبي الطيب:
تمتع في حياتك من رقاد…ولا ترجو كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى…سوي حال انتباهك والمنام
فأشار إلى أن للإنسان ثلاثة أحوال: حال يقظة وموت ونوم، فاليقظة والموت طرفان؛ إذا اليقظة عبارة عن حال تعلق النفس بالبدن مستعملة للحواس، والموت عبارة عن حال انقطاع تعلق النفس بالبدن انقطاعا كليا من كل وجه، ويلزم ذلك تعطل الحواس لعدم تعقل النفس المستعملة لها، وأما النوم فواسطة بينهما؛ لأن النفس لا ينقطع تعلقها بالبدن فيه مطلقا، بل من وجه، وهو أنها تغتنم ركود الحواس بالنوم فتتوجه إلى عالم الغيب لاقتناص العلوم الغيبية مع التفاتها إلى الجسد، وعزمها على معاودته إذا قضت أربها من عالمها، فصار لثالث الحالين - وهو الموت، الذي هو ثالث لحالتي النوم واليقظة - معنى يخالف معنى النوم واليقظة.
فالنوم أشبه الموت بجامع التفاتها إلى عالمها، وفارقه وأشبه الحياة من جهة تعلق همها بالجسد.