{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء: 60] أي: أحاط بما في نفوس الناس من الخير والشر علماً فيعلم ما هو مقتضى كل نفس ولهذا قال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [الإسراء: 60] ولا يزيدهم التخويف إلا الطغيان؛ لأنه تعالى كان عالماً بحال نفوس أهل الشقاوة، منهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا قص رؤياه عليهم أنهم يكذبونه، فجوَّز هذا التكذيب في حقهم؛ لأنه لم يكن بعد إرساله آية ملتمسة موجبة لهلاكهم ولم يجوِّزهم التكذيب بعد إرسال الآية الملتمسة الموجبة لهلاكهم فضلاً منه ورحمة.
ثم أخبر عن فضل آدم على الملائكة بوجوب السجود بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ} [الإسراء: 61] إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان مستحقاً لسجود الملائكة؛ وذلك لأنه تعالى خلق آدم فتجلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكانت السجدة في الحقيقة للحق تعالى، وكان آدم عليه السلام بمثابة الكعبة قبلة السجود فتسجد الملائكة لاستعداد ائتمارهم بأوامر الحق وانتهائهم عن نواهي الحق، كقوله تعالى: {لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] فدل الائتمار بأوامر الحق والانتهاء عن نواهيه عن السعادة الأزلية {إَلاَّ إِبْلِيسَ} [الإسراء: 61] فإنه {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] فدلت المخالفة والإباء على الشقاوة الأزلية، ومن شقاوة إبليس {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الإسراء: 61] اعتراضاً وعجباً ونكراً فاستحق اللعن والطرد والبعد.