فلما كان حال البلوغ إلى بيته بقوله: {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل: 7] فكيف يكون حال أهل الوصول إليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"ما أوذي نبي مثل ما أوذيت"فلما لم يصل أحد مقامه الذي وصل ما أوذي أحد في السير إلى الله والسير في الله والسير بالله مثل ما أوذي النبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاء السائرين بإذابة وجودهم في السير ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير في الله ذوبان الصفات، وفي السير بالله ذوبان الذات، فافهم جدّاً.
ثم أخبر عن آيات إرساله الآيات بقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] يشير إلى اختصاص هذه الأمة بالرحمة والعناية كرامة لوجه حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأمم السالفة مثل ثمود وغيرها لما التمست الآيات من أنبيائهم فأرسل الله بها، ثم لم يؤمنوا وجحدوا أنها من عند الله كما قال: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59] ليؤمنوا فلم يؤمنوا بها وعقروها وكذبوا، جرت سنة الله على ألا يهلكهم ويعذبهم ويأخذهم نكال الآخرة والأولى، فلما التمست قريش من النبي الآيات مثل أن يجعل الله لهم الضفادع وغيرها.
كما قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ} [الإسراء: 59] أي: وما منعنا الرحمة السابقة غضباً في الأزل أن نسعف ملتمسهم إلا أنا علمنا أنهم لا يؤمنون بها ولا يكذبون بها كما {كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] فيقضي السنة التي لا تبديل لها أن تهلك أمتك كما أهلكنا الأولين، وقد سبقت لأمتك منا كرامة لك ألا نعذبهم وأنت فيهم.