قوله تعالى {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} استنشق منه رايحة الاتحاد فإنه لما انعم على العارف بانه جعله متصفا بصفاته استبشر بروح الإنس ومباشرة نور القدس وراى الحق بالحق في نفس فعله وهو فعله ادى من سكر الحال الانانية واعرض عن مقام العبودية في حال الوجد بغير تكلف البشرية ورعونات النفس فإذا رآه الله بتلك الصفة امسك تلك اللطيفة عنه بالتدريج حتى صيره محجوبا عن تلك الحالة فيصير آيسا من رجعته إلى مقامه حجلا عن دعواه قال الواسطى اعرض بالنعمة عن المنعم والنعمة العظمى الهداية والإيمان والمعرفة والولاية والعبد لا ينفك من رؤية ذلك من نفسه وهذا هو الاعراض عن المنعم بان يستحلى بطاعته ويتلذذ بها أو يسكن إليها أو يختص بها من النار وقال الأستاذ إذا ازلنا عنه موجبات الخوف وارخينا له حبل الامهال وهيأ له أسباب الرفاهية اعتراه مغاليط النسيان واستهوته دواعى العصيان فاعرض عن الشكر وتباعد عن بساط الوفاق.
قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} الفطرة مختلفة على اختلاف المقامات ففطرة العارفين خلقت لمقامات المعرفة وفطرة الموحدين فطرت لمقامات التوحيد وفطرة المحبين فطرت لمقامات المحبة وفطرة المتوسطين من أهل الإيمان والايقان فُطِرت الفطرة المعاملات والشرايع والدين وفطرة أهل المشاهدة فُطِرت على شهود الصفات وتجلى الذات فكل من هؤلاء يعمل على العبودية لزيادة عرفان الربوبية على شاكلة فطرته فيبدو منه مزيد قرباته ومداناته ومكاشفاته ومشاهداته وكل من اسرع شوقه إلى الله وفناء في الله فهو اقرب منه قال تعالى {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} قال ابن عطا يعمل على ما في سره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له قال جعفر كل يظهر مكنون ما اودع فيه من الخير والشر قال الأستاذ ما تحبه الضمائر يلوح على السرائر فمن صفا عن الكدورة جوهره لا يفوح منه إلا نشر مناقبه ومن طبع على الكدورة طينته فلا يعيق بمن يحوم حوله الاريح مسالبه ويقال حب الغبيراء لا ينبت غصن العود.