أي: ومن يهد الله للإيمان به، وتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك، فهو المهتدي إلى الحق، المصيب سبيل الرشد، ومن يضلله لسوء اختياره، وتدنيسه نفسه، وركوبه في الغواية والعصيان، كهؤلاء المعاندين، فلن تجد لهم أنصارا ينصرونهم من دونه تعالى، ويهدونهم إلى الحق، ويمنعون عنهم العذاب الذي يقتضيه ضلالهم.
وقوله: {فَهُوَ الْمُهْتَدِي} قرأه نافع، وأبو عمرو بالياء في الوصل، وحذفاها في الوقف، وأثبتها يعقوب في الوقف، وحذفها الأكثرون في الحالتين. {وَنَحْشُرُهُمْ} ؛ أي: ونجمعهم {يَوْمَ الْقِيامَةِ} في موقف الحساب بعد تفرقهم في القبور حالة كونهم مسحوبين {عَلى وُجُوهِهِمْ} ، أو ماشين عليها، فإنّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم. وعن أنس - رضي الله عنه - أنّ رجلا قال: يا رسول الله: قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ} أيحشر الكافر على وجهه؟! قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» ، قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربّنا. متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم» قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إنّ الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» . أخرجه الترمذي الحدب كل ما ارتفع من الأرض.
وقوله: {عُمْيًا} حال من ضمير وجوههم جمع أعمى؛ أي: حالة كونهم لا يبصرون ما يسر أعينهم {وَ} حالة كونهم {بُكْمًا} ؛ أي: لا ينطقون ما يقبل منهم، جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق {وَ} حالة كونهم {صُمًّا} ؛ أي: لا يسمعون ما يلذ مسامعهم، جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، وهذه هيئة يبعثون عليها في أقبح صورة، وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين عمى البصر، وعدم النطق، وعدم السمع، مع كونهم مسحوبين على وجوههم، كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه.