{الرُّوحُ} : يطلق على ما به حياة الأنفس يُذَكَّر ويؤنث، ويطلق أيضًا على القرآن وعلى الوحي وجبريل، - كما يطلق على غير ذلك، وسيأتي بيان المراد منه في الآية.
{مِنْ أَمْرِ رَبِّي} : من شأنه الذي اخْتَصَّ به سبحانه وتعالى.
التفسير
85 - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} :
نزلت هذه الآية الكريمة حينما سألت قريش الرسول عن الروح بإيعاز من اليهود فقد أخرج أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وجماعة من ابن عباس قال: قالت قريش لليهود اعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا سلوه عن الروح فنزلت. وقيل بعثت النضر ابن الحارث، وعقبة بن أَبي معيط إلى أحبار يهود المدينة فقالوا: سلوه عن أَصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت، فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فجاءُوا وسألوه فبين لهم صلى الله عليه وسلم القصّتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع
عليه ملكًا ولا نبيًّا مرسلا فكان ذلك سببًا لنزولها، وكان السؤال عن حقيقة الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وامتزاجه بالجسم واتصال الحياة به وهذا شيءٌ لا يعلمه إلا الله، وذلك ليعرف الإِنسان على القطع عجزه عن فهم حقيقة نفسه ومصدر حياته مع علمه بوجودها. وفى هذا دلالة ناطقة على أنه وقد عجز عن إِدراك حقيقة نفسه فهو عن إدراك كنه خالقه أَعجز، لأنه اللطيف الذي لا يعلم ذاته سواه.
وقيل في معنى الروح أَقوال منها: أنها صورة كالبدن تسري فيه سريان الماء في العود الأخضر، وقيل غير ذلك، والصحيح أنها شيءٌ لا يعلمه إلا الله لقوله تعالى آمرا نبيه بإجابتهم: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} :
وكان المقام للإضمار فيقال قل هو من أَمر ربي، ولكن الإظهار لكمال العناية بالمسئول عنه. أَي قل إن الروح من الأسرار الخفية التي تعجز عن إدراكها عقول البشر وتكل عن معرفتها أفهامهم، فهي من الأمور التي استأثر الله بعلمها، والإضافة إِلى ضميره صلى الله عليه وسلم في (ربي) للتشريف والتعظيم.