فقال الحارث:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس:
غمر بجانب العبلات منه
فقال الحارث:
وبات يحتفر الأكم احتفارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك ببطن السِّي ظبيا
فقال الحارث:
ولم يترك بعرصتها حمارا
فقال امرؤ القيس:
كأن هزيزه بوراء غيب
قال الحارث:
عشارٌ وُلَّهٌ لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن علا شرجي أُضاخٍ
قال الحارث:
وهت أعجاز ريِّقه فخارا
قال امرؤ القيس:
فلم تر مثلنا ملكًا هماما
قال الحارث:
ولم تر مثل هذا الجار جارا
قال: فآلى امرؤ القيس ألا يناقض بعده شاعرًا. قال محمد بن سلام في غير هذه الرواية: فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه , ولم يكن في ذلك الدهر شاعر يماتنه آلى ألا ينازع الشعر بعده أحدًا.
قلت: هذه مباراة عجيبة , ومعارضة تامة مستوفاة فصلًا فصلأ , ومصراعاً مصراعاً , وللحارث فيها ما ليس لامرئ القيس لأن المبتدئ , متمكن من الاختيار موسع عليه الطرق يسلك أيها شاء , والمجيز مقصور القيد ممنوع من التصرف إلا في الجهة التي هو بإزائها فلذلك قد أبر عليه الحارث لما جاء من حسن التشبيه والتمثيل الذي خلا منه كلام امرئ القيس , ولأجل ذلك آلى امرؤ القيس ألا يماتن شاعرًا بعده.
وقد روي لنا أن الوليد بن عبد الملك وأخاه مسلمة تنازعا ذكر الليل وطوله , ففضل الوليد أبيات النابغة في وصف الليل , وفضل مسلمة أبيات امرئ القيس؛ فحكَّما الشعبي بينهما , فقال الشعبي: تنشد الأبيات وأسمع , فأنشد للنابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
ثم أنشد لامرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدولهُ ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصلبه ... وأردَف أعجازاً وناءَ بكلْكلِ
ألا أيها الليل الطويل إلا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
قال فركض الوليد برجله , فقال الشعبي: بانت القضية.
قلت: افتتاح النابغة قصيدته بقوله:
كليني لهم يا أميمة ناصب
متناه في الحسن , بليغ في وصف ما شكاه , من همه وطول ليله. ويقال إنه لم يبتدئ شاعر قصيدة بأحسن من هذا الكلام. وقوله: وصدرٍ أراح الليل عزب همَّه