ولخلو هذا الكلام من كل نوع من الفوائد قال أبو بكر رضي الله عنه حين طرقت سمعه: أشهد أن هذا الكلام لم يخرج من بال. وأخبرني ابن الفارسي محمد بن القاسم بن الحكم قال: أخبرني أبي قال أخبرني إبراهيم بن هانئ قال: أخبرني يحيى بن بكير قال: أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن نشيط قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى البحرين , فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو ثم َّ. قال عمرو: فأقبلت حتى مررت على مسيلمة فأعطاني الأمان ثم قال: إن محمدًا أرسل في جسيم الأمور وأرسلت في المحقرات. فقلت: أعرض علي ما تقول. فقال:"يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين. لا واردًا تنفرين , ولا ماءً تكدرين , يا وبر يا وبر , يدان وصدر , وسائرك حضر نفر". ثم أتى أناس يختصمون إليه في نخل قطعها بعضهم لبعض فتسجَّى بقطيفة ثم كشف رأسه فقال:"والليل الأدهم , والذئب الأسحم , ما جاء بنو أبي مسلم من محرم"ثم تسجَّى الثانية فقال:"والليل الدامس , والذئب الهامس ما حرمته رطبًا إلا كحرمته يابس , قوموا فلا أرى عليكم فيما صنعتم شيئًا". قال: قال عمرو: أما والله إنك تعلم وإنا
لنعلم أنك من الكاذبين. فتوعدني.
قلت: صدق عمرو. هل يخالج أحدًا شك في ضلالة من هذا سبيله , وسقوط من هذا برهانه ودليله؟! وأي بلاغة في هذا الكلام؟ , وأي معنى تحته , وأي حكمة فيه حتى يتوهم أن فيه معارضة للقرآن , أو مباراة له على وجه من الوجوه؟. ولكن البائس أعلم بنفسه حين يقول: أرسلت في المحقرات , ولا يراد أحقر مما جاء به وأقل. ولعل بعض ما جاء به أبو الينبعي وأبو العَبْر , والطرميُّ وأضرابهم من السخافات أشف منه وأخف على السمع. وما أشبه الأمر في هذا بما حكي لنا عن أبي عمرو بن العلاء: حدثني محمد بن الحسين بن عاصم قال: حدثني محمد بن الصباح المازني قال: حدثني عبدالله بن الهيثم حدثنا الأصمعي قال: أنشد رجل أبا عمرو بن العلاء شعرا رديئًا فقال: هذا شبه شعر فلان:
حدارجا جدارجا ... سبعين فرخا دارجا
قال: وأنشد رجل آخر شعرًا رديئًا فهًّا فقال: هذا يشبه شعر بشار:
حبابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت
لها سبع دجاجات ... وديك حسن الصوت