وأما قوله سبحانه: {وإنه لحب الخير لشديد} [سورة العاديات] وأن الشديد معناه هاهنا البخيل , ويقال: رجل شديد ومتشدد أي بخيل. قال طرفة:
أرى الموت يعتام النفوس ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدِّدِ
واللام في قوله: {لحب الخير} بمعنى لأجل حب الخير وهو المال لبخيل , وأما قوله عز وجل: {والذين هم للزكاة فاعلون} [سورة المؤمنون] وقولهم إن المستعمل في الزكاة المعروف لها من الألفاظ , كالأداء والإيتاء والإعطاء , ونحوها كقولك:
أدى فلان زكاة ماله وآتاها وأعطاها , أو زكَّى ماله , ولا يقال: فعل فلان الزكاة , ولا يعرف ذلك في كلام أحد.
فالجواب أن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية , وإنما تفيد حصول الاسم فقط , ولا تزيد على أكثر من الإخبار عن أدائها فحسب , ومعنى الكلام ومراده المبالغة في أدائها والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم , فيصير أداء الزكاة فعلاً لهم مضافاً إليهم يعرفون به , فهم له فاعلون.
وهذا المعنى لا يستفاد على الكمال إلا بهذه العبارة , فهي إذًا أولى العبارات وأبلغها في هذا المعنى.
وقد قيل إن معنى الزكاة هنا العمل الصالح الزاكي , يريد - والله أعلم - والذين هم للأعمال الصالحة والأفعال الزاكية فاعلون.
وأما قوله عز وجل: {سيجعل لهم الرحمن وُدا} [سورة مريم] وإنكارهم قول من يقول جعلت لفلان ودًا بمعنى وددته فإنهم قد غلطوا في تأويل هذا الكلام , وذهبوا عن المراد فيه , وإنما المعنى أن الله سيجعل لهم في قلوب المؤمنين , أي يخلق لهم في صدور المؤمنين مودة , ويغرس لهم فيها محبة , كقوله عز وجل: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} أي خلق.
وأما قوله سبحانه: {ردف لكم} [سورة النمل] فإنهم لغتان فصيحتان: ردفته وردفت له كما تقول: نصحته ونصحت له. وأما قوله سبحانه: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [سورة الحج] ودخول الباء فيه فإن هذا الحرف كثيرًا ما يوجد في كلام العرب الأول الذين نزل القرآن به , وإن كان يعز وجوده في كلام المتأخرين. وأخبرني الحسن بن عبدالرحيم عن أبي خليفة عن محمد ابن سلام الجمحي قال: قال أبو عمروا بن العلاء: اللسان الذي نزل به