(وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً قال ابن كثير: (بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده كما ثبت في صحيح مسلم: «بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيها، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» . وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله خسف به وبداره الأرض. وفي الحديث «من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير» . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب(الخمول والتواضع) : ... عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مرّ عليه ابن الأهيم وعليه جباب خزّ قد نضّد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثاني عطفه،
مصعّر خدّه، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفيه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدّى حق الله منها، والله إن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون في كل عضو منه نعمة؛ وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال لا تعتذر إليّ وتب إلى ربك أما سمعت قول الله تعالى:
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا.
12 - [فائدة هامة وجليلة حول الفهم الصحيح لآية وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ]
(وهناك فائدة محلها التقديم ولكن أخرناها لأهميتها. وهي: إن من أهم مناحي الخطأ في فهم النصوص التعسف والتكلف في فهمها، وتحميلها ما لا تحتمل، وإدخال قضايا تحتها ليست داخلة فيها. ومن ذلك أن بعض الناس فهموا من قوله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بطلان الاجتهاد، وعدم جواز اتباع مجتهدي هذه الأمة.
وهذا خطأ. لأن الاجتهاد في المواطن التي أباح الشارع فيها الاجتهاد - إذا كان من أهله - نوع علم. قال تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ (الممتحنة: 10) فالعلم الوارد في هذا النص أثر عن الاجتهاد ومع ذلك سماه الله علما.