وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ} الآية. الخرق معناه في اللغة كالشق، يقال: خرق الثوب إذا شَقَّه، وخرق الأرض إذا قطعها حتى بلغ أقصاها.
قال ابن عباس: يريد {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} : بِكِبْرِك ومشيك عليها، {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} : بعظمتك، وإنما أنت مخلوق عبد ذليل.
قال الزجاج: والتأويل: إن قدرتك لن تبلغ هذا المبلغ فيكون لك وُصْلَة إلى الاختيال، وهذا الذي ذكره موافق لتفسير ابن عباس، والمعنى: إنك عبد لا تقدر أن تنقص الأرض حتى تبلغ آخرها، ولا أن تُطَاول الجبال، فمن أين تستحق الكبر والفخر؟!
قال ابن قتيبة: يريد أنه ليس ينبغي للعاجز أن يَبْذَخَ ويستكبر، ومعنى خَرْق الأرض في هذه الآية: نَقْبُها لا قطعها بالمسافة، وذُكِرَ في هذه الآية معنى آخر، قال قتادة: لا تمش كِبرًا ولا فَخرًا، فإن ذلك لا يبلغ بك أن تبلغ الجبال، ولا أن تخرق الأرض بكبرك وفخرك، ومعنى هذا أن مشي المرح يكون على ضربين: مَشيٌ باختيال على الأرض وتؤدة؛ بجر قدمه على الأرض كأنه يريد أن يخرقها، ومَشيٌ يتطاول في السماء بذخًا، فنهى الله تعالى في هذه الآية عنهما، وأخبر أنه لا يبلغ مما يريد كبير مبلغ، وإلى هذا أشار مجاهد؛ فقال في قوله: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} قال: الذي يمشي على عقبه، {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} قال: الذي يمشي على صدور قدميه.
38 -قوله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ} أشار إلى جميع ما تقدم ذكره مما أمر به ونهى عنه من قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} إلى قوله: {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} و {ذَلِكَ} يصلح للواحد والجميع، والمؤنث والمذكر، على ما ذكرنا في مواضع.