فكما أن الحق تبارك وتعالى جمع لعباده الصالحين السائرين على منهجه خيري الدنيا والآخرة ، ففي المقابل جمع لأعدائه المعرضين عن منهجه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، لا ظُلْماً منه ، فهو سبحانه مُنَزَّه عن الظلم والجَوْر ، بل عَدْلاً وقِسطاً بما نَسُوا آيات الله وانصرفوا عنها.
ومعنى: يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ { [الإسراء: 9]
وعمل الصالحات يكون بأن تزيد الصالح صلاحاً ، أو على الأقل تبقي الصالح على صلاحه ، ولا تتدخل فيه بما يُفسده.
وقوله: أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً { [الإسراء: 9]
نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وصف الأجر بأنه كبير ، ولم يَأْتِ بصيغة أفعل التفضيل منها (أكبر) ، فنقول: لأن كبير هنا أبلغ من أكبر ، فكبير مقابلها صغير ، فَوَصْف الأجر بأنه كبير يدل على أن غيره أصغر منه ، وفي هذا دلالة على عِظَم الأجر من الله تعالى.
أما لو قال: أكبر فغيره كبير ، إذن: فاختيار القرآن أبلغ وأحكم.
كما قلنا سابقاً: إن من أسماء الحق تبارك وتعالى (الكبير) ، وليس من أسمائه أكبر ، إنما هي وصف له سبحانه. ذلك لأن (الكبير) كل ما عداه صغير ، أما (أكبر) فيقابلها كبير.
ومن هنا كان نداء الصلاة (الله أكبر) معناه أن الصلاة وفَرْض الله علينا أكبر من أي عمل دنيويّ ، وهذا يعني أن من أعمال الدنيا ما هو كبير ، كبير من حيث هو مُعين على الآخرة.
فعبادة الله تحتاج إلى طعام وشراب وإلى مَلْبس ، والمتأمل في هذه القضية يجد أن حركة الحياة كلها تخدم عمل الآخرة ، ومن هنا كان عمل الدنيا كبيراً ، لكن فَرْض الله أكبر من كل كبير.