والمتأمل في حال هؤلاء الذين يأكلون كلّ مَا لَذَّل وطاب ، ولا يَحْرمون أنفسهم مما تشتهيه ، حتى وإن كان ضاراً ، نرى هؤلاء عند كِبَرهم وتقدُّم السِّنِّ بهم يُحْرمون بأمر الطبيب من تناول هذه الملذّات ، فترى في بيوت الأعيان الخادم يأكل أطيب الطعام ويتمتع بخير سيده ، في حين يأكل سيده أنواعاً محددة لا يتجاوزها ، ونقول له:
لأنك أكلتها وأسرفتَ فيها في بداية الأمر ، فلا بُدَّ أنْ تُحرَم منها الآن.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:"كُلُوا واشربوا وتصدقوا ، والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة"
وأيضاً من أسباب السلامة التي رسمها لنا المنهج القرآني ، ألاَّ يأكل الإنسان إلا على جوع ، فالطعام على الطعام يرهق المعدة ، ويجرُّ على صاحبه العطب والأمراض ، ونلاحظ أن الإنسان يجد لذة الطعام وحلاوته إذا أكل بعد جوع ، فمع الجوع يستطيب كل شيء ولو كان الخبز الجاف.
وهكذا نجد المنهج الإلهي يرسم لنا الطريق الأقوم الذي يضمن لنا سلامة الحياة واستقامتها ، فلو تدبرْتَ هذا المنهج لوجدته في أيِّ جانب من جوانب الحياة هو الأقوم والأنسب.
في العقائد ، في العبادات ، في الأخلاق الاجتماعية العامة ، في العادات والمعاملات ، إنه منهج ينتظم الحياة كلها ، كما قال الحق سبحانه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]
هذا المنهج الإلهي هو أَقْوم المناهج وأصلحها ؛ لأنه منهج الخالق سبحانه الذي يعلم مَنْ خلق ، ويعلم مَا يصلحهم ، كما قلنا سابقاً: إن الصانع من البشر يعلم صَنْعته ، ويضع لها من تعليمات التشغيل والصيانة ما يضمن لها سلامة الأداء وأمن الاستعمال.
فإذا ما استعملْتَ الآلة حَسبْ قانون صانعها أدَّتْ مهمتها بدقة ، وسلَمتْ من الأعطال ، فالذي خلق الإنسان أعلم بقانون صيانته ، فيقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا:
{أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]