وهكذا كانت العلاقة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين زيد ؛ لذلك آثره على أهله ، وأحب البقاء في خدمته ، فرأى رسول الله أن يُكافئ زيداً على إخلاصه له وتفضيله له على أهله ، فقال:"لا تقولوا زيد بن حارثة ، قولوا زيد بن محمد".
وكان التبني شائعاً في ذلك الوقت. فلما أراد الحق سبحانه أنْ يُحرِّم التبني ، وأنْ يُحرِّم نسبة الولد إلى غير أبيه بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: {ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5]
والشاهد هنا: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5]
فكأن الحكم الذي أنهى التبني ، وأعاد زيداً إلى زيد بن حارثة هو الأقسط والأعدل ، إذن: حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن جَوْراً ، بل كان قِسْطاً وعدلاً ، لكنه قسط بشري يَفْضُله ما كان من عند الحق سبحانه وتعالى.
وهكذا عاد زيد إلى نسبة الأصلي ، وأصبح الناس يقولون"زيد ابن حارثة"، فحزن لذلك زيد ، لأنه حُرِم من شرف الانتساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعوَّضه الله تعالى عن ذلك وساماً لم يَنَلْه صحابي غيره ، هذا الوسام هو أن ذُكِر اسمه في القرآن الكريم ، وجعل الناس يتلونه ، ويتعبدون به في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا..} [الأحزاب: 37]
إذن: عمل الرسول قسط ، وعمل الله أقسط.
قوله تعالى: يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.. { [الإسراء: 9]
لأن المتتبع للمنهج القرآني يجده يُقدّم لنا الأقوم والأعدل والأوسط في كل شيء.
في العقائد ، وفي الأحكام ، وفي القصص.
ففي العقائد مثلاً ، جاء الإسلام ليجابه مجتمعاً متناقضاً بين مَنْ ينكر وجود إله في الكون ، وبين مَنْ يقول بتعدُّد الآلهة ، فجاء الإسلام وَسَطاً بين الطرفين ، جاء بالأقوم في هذه المسألة ، جاء ليقول بإله واحد لا شريك له.