وقد بين تعالى في سورة"الحشر"أن سبب هذا الداء الذي عَمت به البلوى إنما هو ضعف العقل. قال تعالى {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى} [الحشر: 14] ثم ذكر العلة لكون قلوبهم شتى بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] . ولا شك أن داء ضعف العقل الذي يصيبه فيضعفه عن إدارك الحقائق ، وتمييز الحق من الباطل ، والنافع من الضار ، والحسن من القبيح ، لا دواء له إلا إنارته بنور الوحي. لأن نور الوحي يحيا به من كان ميتاً ويضيء الطريق للمتمسِّك به. فيريه الحق حقاً والباطل باطلاً ، والنافع نافعاً ، والضار ضاراً. قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122] ، وقال تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة: 257] ومن أخرج من الظلمات إلى النور أبصر الحق ، لأن ذلك النور يكشف له عن الحقائق فيريه الحق حقاً ، والباطل باطلاً ، وقال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22] ، وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور وَلاَ الظل وَلاَ الحرور وَمَا يَسْتَوِي الأحيآء وَلاَ الأموات} [فاطر: 19 - 22] ، وقال تعالى: {مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} [هود: 24] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان حياة بدلاً من الموت الذي كان فيه ، ونوراً بدلاً من الظلمات التي كان فيها.