فالعين مثلا هي من نفس المادة التي تخلّق منها الأنف ، أو الكبد أو القلب ، أو الشعر .. فكلها جميعا ترجع إلى ما عرف اليوم باسم « الذرّة » أو ما كان يعرف قديما بالجوهر الفرد .. فمن كتل الذرات تتكون الأجسام ، ومن الاختلاف فِي بناء الذرات ، وترتيب أوضاعها ، تظهر الأجسام فِي صورها وأشكالها ..
وهذا ما فهمه البيضاوي وقرّره فِي قوله: « إن الأجسام متساوية فِي قبول الأعراض » يعني أنه من الممكن أن يتحلل جسم الإنسان - مثلا - إلى ذرات فيصبح كائنا لطيفا غير مرئى ، ثم يعاد تركيبه إلى وضعه الأصلى ، فيكون جسدا
كثيفا كما كان .. كل ذلك فِي لحظة خاطفة كلمح البصر أو هو أقرب ، دون أن يخرج الجسد عن سلطان « الروح » فِي حالى تحليله أو تركيبه ..! وذلك هو الإعجاز أو المعجزة التي تظهر من انتقال النبي الكريم بجسده الشريف إلى المسجد الأقصى ، أو العروج به إلى السماء فِي طرفة عين! ونعود بعد هذا ، فنقول: إن الخلاف فِي أن الإسراء والمعراج ، كان بالجسد ، وبالروح ، خلاف لا يؤثر فِي حقيقة الإسراء ، وما نال الرسول الكريم فيه من ألطاف ربه ، وما رأى من آياته .. وإن قدرة اللّه سبحانه وتعالى لا تتقيد بتلك القيود التي تحكمها الضرورات البشرية ، وخير من هذا الخلاف الذي يذهب بجلال الإسراء ، ويعبث بالستر الخفيّ الملقى عليه من عالم الروح - خير من هذا أن ننظر إلى الرسول الكريم فِي موكب جلاله وعظمته ، تحفّ به ألطاف ربه ، وتحدوه رعايته ، إلى حيث يسبح فِي عالم الحق ، ويطعم بروحه من طيبات الملأ الأعلى ..
أما أن نجسّد العالم العلويّ ، ونحيله إلى أشياء من عالم التراب الذي نعيش فيه ، فذلك مما يهوّن من خطر الإسراء والمعراج ، ويزرى بقدرهما ، ويبخس من قيمتهما ..