ويمكن أن يجيب الأولون عن الاستبعادات العقلية بأن هذه معجزة ، واللّه تعالى قادر على خرق سننه بسنة أخرى ، ككل معجزات الأنبياء ، من انقلاب العصا حية ثم عودتها فِي مدة قصيرة عصا صغيرة كما كانت.
ويبقى أمر الحديث ، واشتماله على أمور غريبة ، لا حاجة إليها فِي تصديق النبوة ، والمحاورة فِي فرض الصلوات وانتقالها من خمسين إلى خمس مما يستدعى رد الحديث وعدم النظر إليه لاضطراب متنه كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني وإن صححه رواة الحديث باعتبار سنده.
عظة وذكرى
إنا لنقف قليلا لدى هذين الحادثين الجليلين لنستخلص منهما أمورا هي الغاية فِي العظة والاعتبار:
(1) إن هاتين الرحلتين الرحلة الأرضية (الإسراء) والرجلة السماوية (المعراج) حدثتا فِي ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة ، ليمحّص اللّه المؤمنين ، ويبين منهم صادق الإيمان ومن في قلبه منهم مرض ، فيكون الأول خليقا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار
الهجرة والانضواء تحت لوائه ، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام ، وتكاليف شاقة ، من حروب دينية ، وقيام بدعوة عظيمة تستتبع همة قعساء ، وإنشاء دولة تبتلع المعمور فِي ذلك الحين شرقا وغربا.
(2) إن اللّه أطلع رسوله على ما فِي هذا الكون أرضيّه وسماويّه من العظمة والجلال ، ليكون ذلك درسا عمليا لتعليم رسوله بالمشاهدة والنظر ، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التعليم ، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة ، أو يجلس إلى معلم ، أو يسح فِي أرجاء المعمورة ، أو يصعد بالآلات العلمية إلى السماء - فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى وما أطلعه عليه من مشاهدة تلك العوالم التي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهما إلا بضرب من التخيل والتوهم ، فأنّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنا الكثير من العلم ولم نؤت إلا قليله « وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا » .