ثم قال القاضي عياض: والحق في هذا والصحيح ، إن شاء الله ، أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها . وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار . ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل ، إلا عند الاستحالة ، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ؛ إذ لو كان مناماً لقال: (بروح عبده) ولم يقل (بعبده) وقوله: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] ، ولو كان مناماً لما كانت فيه آية ولا معجزة ، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به ؛ إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر . بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته ، إلى ما ذكر في الحديث ، من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس (أو في السماء) على ما روى غيره ، وذكر مجيء جبريل له بالبراق وخبر المعراج واستفتاح السماء فيقال: ومن معك ؟ فيقول: محمد . ولقائه الأنبياء فيها وخبرهم معه وترحيبهم به وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك .
وفي بعض هذه الأخبار: ( فأخذ ، يعني جبريل ، بيدي ، فعرج بي إلى السماء ) إلى قوله: ( ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ) ، وأنه وصل إلى سدرة المنتهى ، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره . قال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ، لا رؤيا منام .
وعن الحسن فيه: ( بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه فقمت ، فجلست فلم أر شيئاً ، فعدت لمضجعي ) . ذكر ذلك ثلاثاً ، فقال في الثالثة: ( فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد ، فإذا بدابة ) ، وذكر خبر البراق .