وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا(61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)
حجة على من نفي التأكيد في كلام العرب من حيث لا إشكال فيه ولا
لبسة دونه ، لقوله إخبارا عن إبليس: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)
بعدما قال: (قَالَ أَأَسْجُدُ) ، ولو كان التأكيد نافيا عنه لكان -
والله أعلم - أرأيتك بلا (قال) ، ويكون (وقال) بالواو ، ويكون كلاما
مستأنفَا.
وقوله تعالى: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63)
حجة على المعتزلة والقدرية ، وبراءة إبليس اللعين ما ينسبونه إليه من
القدرة على تضليل الخلق. ألا تراه كيف ألقى الله الاستثناء على لسانه حتى
استثنى بالقليل ، علمًا منه بأن المعصوم ومن سبق له الخير من ربه لا
سبيل له عليه ، إنما سبيله على من حقت عليه كلمة ربه فتبعه وتولاه ،
وسبق القضاء عليه أن يكون معه في دار الهوان ، قال الله تبارك
وتعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) .
وهذا السلطان منه على متوليه المشركين بربهم سلطان تسليط لا اقتدار بقوته.
ألا ترى أن من الكفار من قد سبق له في علم الله إيمان وانتقال من
الكفر إليه فيذهب سلطانه حينئذ عنه ، فلو كان سلطانا بغير تسليط لدام له
عليه ، أو كان على الجميع ولا يستثنى القليل فهذا واضح لا بعد فيه ، ومما