فالجواب في ذلك أن الأمر على ضربين:
أَحدهما متبع لا غير.
والثاني إذا تقدمه نهي عما يؤمر به فالمعنى في الأمر الوعيد، والتهديد لأنك قد تقول: لا تدخلن هذه الدار، فإذا حاول أن يدخلها قلْت: ادخلها وأنْتَ رَجُلْ، فَلَسْتَ تَأمُرُه بدخولها ولكنك توعده وتُهددُهُ.
وهذا في اللغة والاستعمال كثير موجود، ومثله في القرآن: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)
وقد نُهوا أنْ يَتَبعُوا أهْوَاءَهُم وأن يعملوا بالمعاصي.
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)
قال: (عَلَى كَثير) ولم يقلْ عَلَى كُلِّ مَنْ خلقنا، لأن اللَّه - جل وعلا - فضل الملائكة، فقال: (وَلاَ المَلَائِكَةُ المُقَربُونَ) [1] .
ولكن ابن آدم مفضل على سائر الحيوان الذي لا يعقل ولا يميز.
وجاء في التفسير أن فضيلة ابن آدَم أنه يمشي قائماً وأن الدوابَّ والإبلَ والحميرَ وما أشبهها تمشي مُنْكَبَّةً، وأن ابن آدم يتناول الطعام بيديه ويرفعه إلى فيه، وأن سائر الحيوان يتناول ذلك بفيه. وهذا الذي في التفسير هو بعض ما فُضلَ به ابن آدم.
وفضله فيما أعطي من التمييز ورزق من الطيبات وبُصِّرَ من الهدَى مع ما لا يحصى من النعم عليه كثير جدًّا.
(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا(72)
وهذا من عمى القلب، أي هو في الآخرة أشَد عَمًى.
وتأويله أنه إذا عَمِيَ في الدنيا، وقد عَرَّفَهُ - جل وعلا - وجَعَلَ له إلى التوبة وُصْلَةً، وفَسَحَ لَه في ذلك إلَى وقت مماته، فعمي عن رشده ولم يَتُبْ ففي الآخرة لا يجد متاباً ولا مُتَخلَّصاً مما هو فيه، فهو في الآخرة أشد عمى
(وَأضَل سَبِيلاً) أي وأضل طريقاً، لأنه لا يجد طريقاً إلى الهداية فقد حصل على عمله.
[1] المسألة خلافية. والله أعلم.