ثم عظمت فيهم الأحداث وأكثروا الفساد فأوحى اللّه إلى نبيهم أن يبلغهم سوء عاقبتهم ويذكرهم بأحوال الأمم السابقة المهلكة ، وأسباب إهلاكهم وإنجاء المؤمنين منهم ، وبين لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وان ينذرهم بأن اللّه تعالى أقسم بعزته وجلاله أنهم إن لم ينتهوا عما هم عليه ويتوبوا إلى اللّه ليقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ، وليسلطن عليهم جبارا قاسيا يلبسه الهيبة وينزع من صدره الرحمة ، يتبعه عدد مثل سواد الليل ، فأبلغهم ذلك نبيهم فلم يلتفتوا إليه ولم يصغوا لقوله ، فأوحى اللّه إلى نبيهم أرميا عليه السلام أبلغهم إني مهلكهم بيافث من أهل بابل ، فقبضوا على نبيّهم وحبسوه بدل أن يسمعوا له ويطيعوه ، فسلط اللّه عليهم بختنصر وأوقع في قلبه غزوهم ، فخرج إليهم في ستمائة ألف راية من جنوده ووطئ بلادهم ودخل بيت المقدس ، وقتل بني إسرائيل الذين هم فيه شر قتلة ، وأدام القتل فيهم حتى أفناهم وخرّب بيت المقدس وحرق ما فيه من كتب وأمر جنوده فملأوه ترابا ، ثم أمرهم أن يجمعوا من بلاد القدس من بقي منهم ، فجمعوهم وأحضروهم بين يديه فاختار منهم سبعين ألفا وقسمهم بين ملوكه ، وخرج بهم والغنائم التي أخذها منهم وأثاث بيت المقدس ، ثم فرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فرقة قتلهم وفرقة
سباهم وأسكن الثالثة بالشام ، وتركهم وذهب لبلاده ظافرا ، وهذه هي الواقعة الأولى التي حذر اللّه بني إسرائيل منها.