فإن قال قائل: فالذي أنْكَرَ عَليهِمْ هو التوسلُ بغير عبادَةِ اللَّهِ إلى اللَّه، لأنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ، فالفرق بين المتوسلين إلى اللَّه
بمحبَّةِ أنبيائه وملائكته وصالحي عبادِه أنهم يتوسلون بهم مُوحِّدين اللَّهَ
عزَّ وجلَّ، لا يجعلون له شريكاً في العبادة، والكفار يتوَسلُونَ بعبادة غير اللَّه، فجعلوا الكفر وسيلَتَهُمْ.
ويجوز أن يكون (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) بدلاً من الواو في (يبتغون)
فالمعنى يبتغي أيهم هو أقرَبُ الوسيلة إلى اللَّهِ، أي يتقرب إليه بِالعَمَلِ الصالح.
(وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) .
أي الذين يزعمون أنهم آلِهة يرجون ويخافون.
قوله: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58)
أي ما من أهل قرية ألا سيهلكون، إما بموت وَإما بِعَذابٍ يَسْتَأصِلَهُمْ.
(كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) .
أي مكتوباً.
(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا(59)
(أن) الأولى نصب، و (أن) الثانية رفع.
المعنى ما منعنا الإرْسَالَ ألا تكذيبُ الأولينَ.
والتأويل أنهُمْ سألوا الآيَاتِ التي استوجب بها الأولونَ العذابَ، لمَّا كذبوا بها، فنزل عليهم العذابُ، والدليل على أنهم سألوا تلك الآيات قولهم:
(لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى) ، فأَعلم اللَّهُ - جل ثناؤه - أن مَوْعِدَ كُفَار هذه الأمةِ الساعة، فقال: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) . فأخَّرَهم إلى يوم القيامة رحمة منه وتفضلاً.