وهذه السورة كان نزورها في العهد المكي، قبيل الهجرة بسنوات قليلة، فهي من القرآن المكي أو من السور المكية التي نزلت قبل الهجرة [3] ، وأما عن موضوعاتها فإنها بدأت بتسبيح الله تبارك وتعالى، وانتهت بتحميده"وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا"، وبين ذلك التسبيح وذلك التحميد - كسورة مكية - فصل الله فيها أركان العقيدة، ولكن يكاد يكون بارزاً من أركان العقيدة في هذه السورة ومعروضاً عرضاً مفصلاً تحقيقٌ حول شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف واجهه قومه الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يعرفونه بصدقه وأمانته، يعرفونه بأخلاقه واستقامته، يعرفونه بعقله وحلمه ورجحان رأيه وسداد قوله، إذ هم يقولون عليه إنه مفترٍ وكذاب وإنه ساحر .. وكذا، مما أشار الله إليه فقال:"انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا"، افترضوا لك أوصافاً وأمثالاً فضلوا، حيث وصفوك بغير أوصافك، ونسبوك إلى غير أعمالك وأخلاقك، فلا يستطيعون سبيلًا يهتدون إليه، فقد ضلوا عنك وعن حقيقتك عليه الصلاة والسلام.
ويناقش الله تعالى في هذه السورة القوم الكافرين فيما نسبوه لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، حيث اعترضوا على بشريته"قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا"حين طالبوه بما لا يستطيعه البشر، كما ناقشهم في مسألة البعث التي استعظموها واستبعدوها وأنكروها، أبعد أن نكون عظاماً وتراباً ورفاتاً وعظاماً نخرةً نعود إلى الحياة، وماذا في ذلك، وماذا إذا كان الذي سيعيدكم هو الإله الحقّ، ما العجب"قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ"أي سيحركون رؤوسهم إنكاراً وتكذيباً واستهزاءً ويقولن متى هو؟ متى هذا البعث؟"قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا".