{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) } :
قوله عز وجل: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ} (إذ) ظرف للخطب، وهو الأمر الذي يعظم شأنه، أي: ما شأنكن إذ راودتن يوسف؟ هل وجدتن منه مَيلًا إليكن؟
وقوله: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} الآن ظرف لقوله: {حَصْحَصَ} أي: بان وظهر. قال أبو إسحاق: واشتقاقه في اللغة من الحِصّة أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل. وأصله من حص شعره، إذا استأصل جَزه حتى يظهر جلد الرأس، على معنى: انقطع عن الباطل بظهوره.
قيل: وقرئ: (حُصْحِصَ) بضم الحاء الأول وكسر الثاني على البناء للمفعول من حَصحص البعير، إذا أثبت ركبتيه للنهوض بالثِقْل، قال حميد:
339 -فَحَصحَصَ فِي صُمِّ الصَّفَا ثَفِنَاتِهِ ... وَنَاءَ بِسَلْمَى نَؤءَةً ثُمَّ صَمَّمَا
{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) } :
قوله عز وجل: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} (ذلك) في موضع نصب بفعل مضمر، أي: فعل الله ذلك، والإشارة إلى تثبيته، وهو رَدُّهُ الرسولَ وامتناعه من الخروج معه أول مرة، أي: فعل الله ذلك التثبت، أو فعلتُه ليعلم العزيز أني لم أخنه في حليلته وهو غائب، أو ليعلم الملك الأكبر أني لم أخن العزيز في حال غيبته، وهو من كلام يوسف عليه السلام. وقيل: هو من تمام قول امرأة العزيز عطفًا على قولها: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} وأنه صادق في دعواه، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه.
وقوله: {بِالْغَيْبِ} يحتمل أن يكون من صلة {لَمْ أَخُنْهُ} ، وأن يكون حالًا من الفاعل والمفعول جميعًا، على معنى: وكلانا غائب عن عين صاحبه، كقولك: ضربت زيدًا في الدار، فقولك: في الدار يحتمل أن يكون من صلة ضربت، وأن يكون حالًا من الفاعل والمفعول.