قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَدَا لَهُمْ) : فِي فَاعِلِ «بَدَا» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: هُوَ مَحْذُوفٌ، وَ (لَيَسْجُنُنَّهُ) : قَائِمٌ مَقَامَهُ ; أَيْ بَدَا لَهُمُ السِّجْنُ، فَحُذِفَ وَأُقِيمَتِ الْجُمْلَةُ مَقَامَهُ، وَلَيْسَتِ الْجُمْلَةُ فَاعِلًا ; لِأَنَّ الْجُمَلَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَاعِلَ مُضْمَرٌ، وَهُوَ مَصْدَرُ بَدَا ; أَيْ بَدَا لَهُمْ بِدَاءٌ، فَأُضْمِرَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْفَاعِلَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; أَيْ بَدَا لَهُمْ رَأَىٌ ; أَيْ فَأُضْمِرَ أَيْضًا. وَ (حَتَّى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِيَسْجُنُنَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(36 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ السِّينِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا ; وَالتَّقْدِيرُ: مَوْضِعَ السِّجْنِ، أَوْ فِي السِّجْنِ.
وَ (قَالَ) : مُسْتَأْنَفٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْمَنَامَ حَالَ دُخُولِهِ، وَلَا هُوَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَنَامِ.
(فَوْقَ رَأْسِي) : ظَرْفٌ لِأَحْمِلُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْخُبْزِ. وَ «تَأْكُلُ» : صِفَةٌ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41 ) ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ) : «أَمْ» هُنَا مُتَّصِلَةٌ.