قلت: لَمْ يكونوا سراقًا في الحقيقة، فيحمل ذلك على مثل رد الضائع، فيكون جعالة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان، فيحمل عليه.
{قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) }
{وَاللَّه} سبحانه وتعالى {أَعْلَم} منكم {بما تصفون} ـه به من السرقة؛ أي: أعلم بحقيقة ما تذكرون من أمر يوسف يوجب عود مذمة إليه أم لا؟ لأنه سبحانه وتعالى هو العلم بحقائق الأمور، فيعلم كيف كانت سرقة الذي أحلتم سرقته عليه؛ أي: والله أعلم أسرق أخ له أم لا، فـ {أعلم} على ما قررناه على معناه التفضيلي،
فإن قيل: لم يكن فيهم علم، والتفضيل يقتضي الشركة .. قلنا: يكفي الشركة بحسب زعمهم، فإنهم كانوا يدعون العلم لأنفسم، ألا ترى إلى قولهم: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} على سبيل الجزم كما في"الحواشي السعدية".
وقيل: إن المفاضلة ليست على بابها، والمعنى عليه: والله تعالى أعلم؛ أي: عالم علمًا بالغًا إلى أقصى المراتب بأن الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منا، بل إنما هو افتراء علينا، فالصيغة لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه على علمهم، كيف لا وليس لهم بذلك من علم.
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ... (83) }
وإنما قال يعقوب هذه المقالة؛ لأنه لما طال حزنه واشتد بلائه، ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجًا ومخرجًا عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج.
{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) }
فإن قيل: لِمَ قال يعقوب {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} ، ثم قال: {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ، وقال: {إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ؟ فكيف يكون الصبر مع الشكوى؟
قيل: ليس هذا إلا شكاية من النفس إلى خالقها، وهو جائز، ألا ترى أن أيوب عليه السلام قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
وقال تعالى مع شكواه إلى ربه في حقه: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} لأنه شكا منه إليه، وبكى منه عليه، فهو المعذور لديه؛ لأن حقيقة الصبر ومعناه الحقيقي حبس النفس ومنعها عن الشكوى إلى الغير، وترك الركون إلى الغير، وتحمل الأذى والابتلاء لصدوره من قضائه وقدره، كما قيل بلسان الحقيقة: