كُلُّ شَيءٍ مِنَ الملِيْحِ مَلِيْحُ ... لَكنِ الصَّبْرُ عَنْهُ غَيْرُ مَلِيْحِ
وقيل أيضًا:
وَالصَّبْرُ عَنْكَ فَمَذْمُوْمٌ عَوَاقِبُهُ ... وَالصَّبْرُ فِي سَائرِ الأَشْيَاءِ مَحْمُوْدُ
وذلك لأن المحب لا يصبر عن حضرة المحبوب، فلا يزال يعرض حاله وافتقاره إلى حضرته، ولسان العشق لسان التضرع والحكاية، لا لسان الجزع والشكاية، فشكاية العارف الواقف في صورة الشكوى حكاية حاله وتضرعه وافتقاره إلى حبيبه.
{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) }
فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكًا؟
فقد أجاب المفسرون عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى وهو الأظهر.
والثاني: لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله شدة فاقتهم.
والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور. والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء، وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيمًا، ولا يقدر على دفع سببه.
{قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) }
فإن قيل: لِمَ لَمْ يعرف يوسف إخوته بنفسه في أول مرة ليبشروا أباهم به، وبما هو عليه من حسن حال وبسطة وجاه، فيكون في ذلك السرور كل السرور له؟