قِيلَ: كَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْفَضْلِ وَالْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهَا: (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) وَكَيْفَ تَصِيرُ هَذِهِ الْحَالَةُ عُذْرًا لَهَا فِي قُوَّةِ الْعِشْقِ وَإِفْرَاطِ الْمَحَبَّةِ؟
قُلْنَا: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَمْنُوعَ مَتْبُوعٌ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ لَهُنَّ مَعَ هَذَا الْخُلُقِ الْعَجِيبِ وَهَذِهِ السِّيرَةِ الْمَلَكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ الْمُطَهَّرَةِ فَحُسْنُهُ يُوجِبُ الْحُبَّ الشَّدِيدَ وَسِيرَتُهُ الْمَلَكِيَّةُ تُوجِبُ الْيَأْسَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ فَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَتْ فِي الْمَحَبَّةِ، وَالْحَسْرَةِ، وَالْأَرَقِ وَالْقَلَقِ، وَهَذَا الْوَجْهُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ أَحْسَنُ واللَّه أَعْلَمُ.
(قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ(32)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَ قَالَتْ: (فَذلِكُنَّ) مَعَ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حَاضِرًا؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَشَارَتْ بِصِيغَةِ (ذَلِكُنَّ) إِلَى يُوسُفَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْمَجْلِسِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ: إنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ يَقُلْنَ إِنَّهَا عَشِقَتْ عَبْدَهَا الْكَنْعَانِيَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ وَوَقَعْنَ فِي تِلْكَ الدَّهْشَةِ قَالَتْ: هَذَا الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ هُوَ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْكَنْعَانِيُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ يَعْنِي: أَنَّكُنَّ لَمْ تَتَصَوَّرْنَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ وَلَوْ حَصَلَتْ فِي خَيَالِكُنَّ صُورَتُهُ لَتَرَكْتُنَّ هَذِهِ الْمَلَامَةَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهَا لَمَّا أَظْهَرَتْ عُذْرَهَا عِنْدَ النِّسْوَةِ فِي شِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لَهُ كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ فَقَالَتْ: (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) .