هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله
فهذا النوع يؤاخذ به العبد ، ولهذا لمّا أقرّ قائل هذا البيت به أمام الحجاج قتله ، وقتله له افراط وتفريط كسائر أفعاله ، عليه ما يستحق من اللّه ، لأن مجرد قول هذا البيت لا يستوجب القتل بل التأديب ، وهمّ عارض وهو ما يخطر بالقلب أو تحدث به النفس من غير اختيار ولا عزم ولا نية ولا رضى ولا عقيدة كهمّ يوسف عليه السلام ، فالعبد ليس مؤاخذ به ما لم يتكلم أو يعمل ، يؤيد هذا ما روي عن أبي هريرة ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: يقول اللّه تبارك وتعالى إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإذا هم بحسنة ولم يعملها فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له عشرا.
هذا لفظ مسلم ، وللبخاري بمعناه ، على أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم البتّة كما مشينا عليه من تفسير الآية ، ولأن اللّه تعالى لم يحك عنه شيئا كما حكى عن آدم عليه السلام في قوله (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية 23 من سورة البقرة ج 3 ، وعن داود عليه السلام في قوله (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) الآية 24 من سورة ص في ج 1 ، وعن موسى عليه السلام في قوله (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) الآية 26 من القصص المارة في ج 1 ، وعن سليمان عليه السلام في قوله (رَبِّ اغْفِرْ لِي) الآية 26 من سورة ص أيضا ، إلى آخر ما جاء عنهم عليهم السلام كنوح وذي النون وغيرهم ، فيظهر من هذا أنه براء مما نسب إليه من الهم المطلق لأنه لو وقع منه لأتبعه بالتوبة والاستغفار كإخوانه الأنبياء عليهم السلام ، ومن هنا يعلم عدم صدور شيء منه البتة ، وما قيل إن هذه الحادثة قبل نبوته مردود لما تقدم أن اللّه تبارك وتعالى نبأه في البئر ، وينافيه سياق الآية ، وسياق إتيانه النبوة على هذه الحادثة يرده أيضا ، وإن