وقال علماء الصوفية الرؤيا من باب العلم ولكل علم معلوم ، ولكل معلوم حقيقة ، وتلك الحقيقة صورته ، والعلم عبارة عن وصول تلك الصورة إلى القلب وانطباعها فيه ، سواء كان في النوم أو في اليقظة ، فلا محل له غير القلب ، ولما كان عالم الأرواح متقدما في الوجود والمرتبة على عالم الأجسام ، وكان الإعداد الرباني الموصل إلى الأجسام موقوفا على توسط الأرواح بينها وبين الحق ، وتدبير الأجسام مفوض إلى الأرواح وتعذر الارتباط بين الأرواح والأجسام للمباينة الذاتية الثابتة بين المركب والبسيط ، فإن الأجسام كلها مركبة والأرواح كلها بسيطة ، فلا مناسبة ولا ارتباط بينهما ، وما لم يكن ارتباط لا يحصل تأثير ولا تأثر ، ولا إمداد ولا استمداد ، فلذلك خلق اللّه تعالى عالم المنازل برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصبح ارتباط أحد العالمين بالآخر ، فيتأتى حصول التأثير والتأثر ووصول الامداد والتدبير ، وهكذا شأن روح الإنسان مع جسمه الطبيعي العنصري الذي يدبره ويشتمل عليه علما وعملا.
ولما كانت المباينة ثابتة بين روح الإنسان وبدنه ، وتعذر الارتباط الذي يتوقف عليه التدبير ووصول المدد إليه خلق اللّه تعالى لنفسه الحيوانية برزخا بينهما أي بين البدن والروح المفارق ، فنفسه الحيوانية في ميزاتها قوة معقولة ، فهي بسيطة تناسب الروح المفارق ، ومن حيث انها مشتملة بالذات على قوى مختلفة متكثرة منبئة في أقطار البدن متصرفة بتصرفات مختلفة ومحمولة أيضا في البخار الضبابي الذي هو في التجويف الأيسر من القلب الصنوبري يتناسب المزاج المركب من العناصر.