وتوكل المنتهي: وهو استهلاك الوجود في وجود الله وإفناء الاختيار في اختيار الله؛ ليبقى في هويته بلا هو متصرفاً في الأسباب به، ولا يرى التصرف والأسباب إلا لمسبب الأسباب.
{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} [هود: 89] من العذاب، وذلك إن في طبيعة الإنسان مركوزة من صفات الشيطنة الإباء والاستكبار، ومن طبعه أنه حريص على ما تبع كان آدم عليه السلام لما منع من أكل الشجرة حرص على أكلها، فلهاتين الصفتين إذا أمر بشيء أبى واستكبر، وإذا نهى عن شيء حرص على إتيانه لا سيما إذا صدر الأمر والنهي من إنسان مثله، فإن طاعة الله هينة القبول بالنسبة إلى طاعة المخلوق؛ ولأن في الطاعة ذلة وهواناً وكسراً للنفس، وأن ما يحتمل المخلوق من خالقه أكثر مما يحتمله من مخلوق مثله، ولهذا السر بعث الله الأنبياء - عليهم السلام - وأمر الخلق بطاعتهم، فقال: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] فمن كان موفقاً من الله تعالى بالعناية الأزلية يأمر بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه، ويطيع الرسل فيما جاءوا به أخرجته الطاعة من ظلمات صفات المخلوقة إلى نور صفاته الخالقية، ومن أدركته الشقاوة في الأزل تدراكه الخذلان، ووكل إلى نفسه وطبعه، فلا يطيع الله ورسوله، ويتمرد عن قبول الدعوة، ويستكبر على الرسول ويعاديه، ويزد بمعاداته ما أمره الله به فيصيبه قهر الله وعذابه.