هكذا كانت الأحداث تقدر وتقوّم في هذه الجماعة. وهكذا كانت توبة مقبولة تستقبل وتعظم ؛ كانت بشرى يركض بها الفارس إلى صاحبها ، ويهتف بها راكب الجبل ليكون أسرع بشارة. وكانت التهنئة بها والاحتفاء بصاحبها جميلاً لا ينساه الطريد الذي رد إلى الجماعة واتصلت بها وشائجه ، فهو في يوم كما قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك"قالها - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور. كما قال كعب ، فهذا القلب الكبير الكريم الرحيم قد فاض به السرور أن تقبل الله توبة ثلاثة من أصحابه وردهم مكرمين إلى جماعته.
تلك هي قصة الثلاثة الذين خلفوا ثم تاب الله عليهم ، وهذه هي بعض لمحات دلالتها الواضحة على حياة الجماعة الإسلامية ، وعلى القيم التي كانت تعيش بها.
والقصة كما رواها أحد أصحابها ، تقرب إلى نفوسنا معنى الآية:
{حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه...} ..
{ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} ..
فما الأرض؟ إن هي إلا بأهلها. إن هي إلا بالقيم السائدة فيها. إن هي إلا بالوشائج والعلاقات بين أصحابها. فالتعبير صادق في مدلوله الواقعي فوق صدقه في جماله الفني ، الذي يرسم هذه الأرض تضيق بالثلاثة المخلفين ، وتتقاصر أطرافها ، وتنكمش رقعتها ، فهم منها في حرج وضيق.
{وضاقت عليهم أنفسهم} ..
فكأنما هي وعاء لهم تضيق بهم ولا تسعهم ، وتضغطهم فيتكرب أنفاسهم.
{وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} ..
وليس هناك ملجأ من الله لأحد ، وهو آخذ بأقطار الأرض والسماوات. ولكن ذكر هذه الحقيقة هنا في هذا الجو المكروب يخلع على المشهد ظلاً من الكربة واليأس والضيق ، لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى الله مفرج الكروب..
ثم يجيء الفرج.. {ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} .