وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بياء ساكنة بعد الطاء والباقون بألف بعد الطاء بعدها همزة مكسورة {وإخوانهم} أي: وإخوان الشياطين من الكفار {يمدّونهم} أي: يمدّهم الشياطين {في الغيّ} أي: يزيدونهم في الضلالة بالتزيين والحمل عليها {ثم لا يقصرون} أي: لا يكفون عن الضلالة ولا يتركونها ، وهذا بخلاف حال المؤمنين المتقين ؛ لأنّ المؤمن إذا أصابه طيف من الشيطان تذكر وعرف ذلك فنزع عنه وتاب واستغفر ، والكافر مستمرّ في ضلاله لا يتذكر ولا يرعوي {وإذا لم تأتهم} أي: أهل مكة {بآية} أي: مما اقترحوها كقولهم: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} (الإسراء ،)
{قالوا لولا اجتبيتها} أي: هلا تقولتها من عند نفسك كسائر ما تقرؤه ، فإنهم كانوا يقولون: إنّ هذا الإفك مفترى ، تقول العرب: اجتبيت الكلام اختلقته وافتعلته وأنشأته من عندك ، وهلا طلبتها من ربك منزلة عليك مقترحة؟ قال الله تعالى: {قل} : يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات {إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} أي: ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور إنما أنتظر الوحي ، فكل شيء أكرمني به قلته ، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح.
ثم بيّن أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا يقدح في الغرض ؛ لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة ، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة ، فكان طلب الزيادة من باب التعنت ، فذكر في وصف القرآن ألفاظاً ثلاثة أوّلها قوله: {هذا بصائر من ربكم} أي: هذا القرآن فيه حجة وبرهان ، وأصل البصائر الأبصار وهو ظهور الشيء حتى يبصره الإنسان ، ولما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة فهو من باب تسمية السبب باسم المسبب.
وثانيها: {وهدى} أي: وهو هدى.
وثالثها: {ورحمة} أي: وهو رحمة {لقوم يؤمنون} .
فإن قيل: ما الفرق بين هذه المراتب الثلاث ؟