قَوْلُهُ: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أَيْ يَقِيسُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَيُسَوُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ وَمَقَالَةٍ فَاسِدَةٍ فِي أَدْيَانِ الرُّسُلِ فَأَصْلُهَا مِنْ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، فَمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَفْعَالَهُ وَعُلُوَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ وَكَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ لِعِبَادِهِ وَرُؤْيَتَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ إلَّا مِنْ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، وَمَا أَنْكَرَتْ الْقَدَرِيَّةُ عُمُومَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَجَعَلَتْ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ وَأَنَّهُ يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، وَمَا ضَلَّتْ الرَّافِضَةُ وَعَادُوا خِيَارَ الْخَلْقِ وَكَفَّرُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَبُّوهُمْ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، وَمَا أَنْكَرَتْ الزَّنَادِقَةُ وَالدَّهْرِيَّةُ مُعَادَ الْأَجْسَامِ وَانْشِقَاقَ السَّمَاوَاتِ وَطِّي الدُّنْيَا وَقَالَتْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، وَمَا فَسَدَ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِ الْعَالَمِ وَخَرَبَ مَا خَرَبَ مِنْهُ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ، وَهُوَ الَّذِي جَرَّ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْقِيَاسِ مَا جَرَّ، فَأَصْلُ شَرِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعُهُ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ لَا يَدْرِيهَا إلَّا مَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْوَاقِعِ وَلَهُ فِقْهٌ فِي الشَّرْعِ وَالْقَدْرِ.
(فصل آخر)
قولهُ سبحانه: {الْحَمْدُ للهِ الّذِي خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلْونَ} .
أي يعدلون به غيره، فيجعلون له من خلقه عَدلا وشبها.
قال ابن عباس: يريد عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام، بعد أن أقروا بنعمتي وربوبيتي.
وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية. وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا. والعدل التسوية، يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره.