{وَجَعَلَ الظلمات والنور} عطْفٌ على (خَلَق) مترتب عليه لكون جعلهما مسبوقاً بخلق مَنْشَئِهما ومحلِّهما ، داخلٌ معه في حكم الإشعار بعِلَّة الحمد ، فكما أن خلقَ السماوات والأرضِ وما بينهما لكونه أثراً عظيماً ونعمةً جليلة موجبٌ لاختصاص الحمد بخالقهما جل وعلا ، كذلك جعلُ الظلماتِ والنور لكونه أمراً خطيراً ونعمةً عظيمةً مقتضٍ لاختصاصه بجاعلهما ، والجعلُ هو الإنشاءُ والإبداع كالخلق ، خلا أن ذلك مختصٌّ بالإنشاء التكوينيِّ ، وفيه معنى التقدير والتسوية ، وهذا عام له كما في الآية الكريمة ، والتشريعيَّ أيضا كما في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ} الآية. وأياً ما كان فهو إنباءٌ عن ملابسةِ مفعولِه بشيء ٍ آخرَ بأن يكونَ فيه ، أوْ له ، أوْ منه ، أو نحوُ ذلك ، ملابسةٌ مصحِّحةٌ لأن يتوسَّطَ بينهما شيء ٌ من الظروف لغواً كان أو مستقراً ، لكن لا على أن يكونَ عُمدةً في الكلام بل قيداً فيه ، كما في قوله عز وجل: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} وقوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} وقوله تعالى: {واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} الآية ، فإن كل واحد من هذه الظروف ، إما متعلقٌ بنفس الجعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعولِه تقدّمت عليه لكونه نكرة ، وأياً ما كان فهو قيدٌ في الكلام حتى إذا اقتضى الحالُ وقوعَه عمدةً فيه يكون الجعلُ متعدياً إلى اثنين هو ثانيهما ، كما في قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم} وربما يَشتبِهُ الأمرُ فيُظن أنه عمدةٌ فيه ، وهو في الحقيقة قيدٌ بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً} حيث قيل: إن الظرف مفعولٌ ثان لجاعل ، وقد أشير هناك إلى أن الذي يقضي به الذوق السليم وتقتضيه جزالةُ النظم الكريم ، أنه متعلقٌ بجاعل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول ، وأن المفعولَ الثانيَ هو خليفة ، وأن الأول محذوف على ما مر