إنها المواجهة بما كان من نعم الله على عيسى بن مريم وأمه.. من تأييده بروح القدس في مهده ، وهو يكلم الناس في غير موعد الكلام ؛ يبرئ أمه من الشبهة التي أثارتها ولادته على غير مثال ؛ ثم وهو يكلمهم في الكهولة يدعوهم إلى الله.. وروح القدس جبريل - عليه السلام - يؤيده هنا وهناك.. ومن تعليمه الكتاب والحكمة ؛ وقد جاء إلى هذه الأرض لا يعلم شيئاً ، فعلمه الكتابة وعلمه كيف يحسن تصريف الأمور ، كما علّمه التوراة التي جاء فوجدها في بني إسرائيل ، والإنجيل الذي آتاه إياه مصدقاً لما بين يديه من التوراة.
ثم من إيتائه خارق المعجزات التي لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله. فإذا هو يصور من الطين كهيئة الطير بإذن الله ؛ فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله - لا ندري كيف لأننا لا ندري إلى اليوم كيف خلق الله الحياة ، وكيف يبث الحياة في الأحياء - وإذا هو يبرئ المولود أعمى - بإذن الله - حيث لا يعرف الطب كيف يرد إليه البصر - ولكن الله الذي يهب البصر أصلاً قادر على أن يفتح عينيه للنور - ويبرئ الأبرص بإذن الله ، لا بدواء - والدواء وسيلة لتحقيق إذن الله في الشفاء ، وصاحب الإذن قادر على تغيير الوسيلة ، وعلى تحقيق الغاية بلا وسيلة - وإذا هو يحيي الموتى بإذن الله - وواهب الحياة أول مرة قادر على رجعها حين يشاء - ثم يذكره بنعمة الله عليه في حمايته من بني إسرائيل إذ جاءهم بهذه البينات كلها فكذبوه وزعموا أن معجزاته هذه الخارقة سحر مبين! ذلك أنهم لم يستطيعوا إنكار وقوعها - وقد شهدتها الألوف - ولم يريدوا التسليم بدلالتها عناداً وكبراً.. حمايته منهم فلم يقتلوه - كما أرادوا ولم يصلبوه. بل توفاه الله ورفعه إليه.. كذلك يذكره بنعمة الله عليه في إلهام الحواريين أن يؤمنوا بالله وبرسوله ؛ فإذا هم ملبون مستسلمون ، يشهدونه على إيمانهم وإسلامهم أنفسهم كاملة لله: