وإذا كانت كتب الأدب قد تعاملت مع الجواب على هذا النحو الذي تكتفي فيه بإيراد نماذج من الأجوبة التي تخدم غرضاً معيناً، فان كتباً أخرى تشاركها في ذلك اذ وجدنا ابن السراج الطوسي (ت 378 هـ) يضع لأحد فصول كتابه عنواناً هو: (كتاب المسائل واختلاف أقاويلهم في الأجوبة) في كتابه (اللُّمع) في التصوف، ويذكر أمثلة متعددة من أجوبة كبار الصوفية على أسئلة عديدة، ومنها مسألة (الفناء والبقاء) التي يقول عنها: (الفناء والبقاء: اسمان وهما نعتان لعبد موحد يتعرض الارتقاء في توحيده من درجة العموم إلى درجة الخصوص، ومعنى الفناء والبقاء في أوائله، فناء الجهل ببقاء العلم، وفناء المعصية ببقاء الطاعة وفناء الغفلة ببقاء الذكر، وفناء رؤيا حركات العبد لبقاء رؤيا عناية الله في سابق علمه) ثم يذكر أهم أجوبة الصوفية ومنها جواب الجنيد البغدادي إذ قال عن الفناء والبقاء: (إذا فني الفناء عن أوصافه أدرك البقاء بتمامه) ، وجواب الشبلي الذي قال: من فني عن الحق بالحق، لقيام الحق بالحق فني عن الربوبية فضلاً عن العبودية).
ويذكر بعد ذلك أجوبة عديدة عن هذه المسألة، وتتعدد الأجوبة وتختلف من صوفي إلى آخر، بيد أن هذه الأجوبة تتمحور حول البقاء لله تعالى والفناء للعبد، على أن هذا الاختلاف بينهم لا يعني بالضرورة إنها أجوبة خاطئة، بل يمكن القول إن كل واحد من هؤلاء المتصوفة يفهم البقاء والفناء بطريقة قد تقترب، أو تبتعد عن مفهومها لدى صوفي آخر، لان التجربة الصوفية تجربة ذاتية.
وهنالك كتب تقوم بأكملها على السؤال والجواب مثل كتاب (الهوامل والشوامل) الذي سأل فيه أبو حيان التوحيدي صاحبه مسكوبة مئةً وخمساً وسبعين مسألة في شتى العلوم والموضوعات، وكان مسكويه يجيبه عن جميع مسائله، وهو كسابقه من الكتب لم يقدم مفهوماً عن الجواب، ولم يبحث هذا الموضوع من قريب ولا من بعيد.