وعندما نتأمل بالخواطر أمراً واحداً من تلك الأمور نجد أن قدرة الحق سبحانه وتعالى لها تمام الوضوح الظاهر ، فمجرد كلام عيسى في المهد هو معجزة ؛ والمهد - كما نعلم - هو الفراش المريح للطفل يعده له الأهل ساعة أن يولد ؛ لأن الطفل لا قدرة له على أن يتزحزح من مكانه إن كان هناك شيء بارز في مهده يضايقه ؛ لأن الطفل يملك الحس ولكن لا قدرة له على مدافعة ما يتطلبه الحس .
إن الطفل المولود لا يستطيع مثلا أن يمد يده ليزيل الحصوة الناتئةمن الأرض تحت المهد لذا يمهدون فراشه ويوطئونه له . إنه مجرد روح في جسد صغير لا حول ولا قوة له إلا استبقاء الحياة بالتعلق بثدي الأم ، فإن تكلم طفل في المهد ، فمعنى ذلك أنه امتلك إرادة يسيطر بها على كل جسمه إلى الدرجة التي يمكنه أن ينطق بها الكلام ، وهذا لا يحدث أبداً . ونجد الأهل يمهدون الفراش للطفل ، لأنهم يعلمون أن أقصى تعبير عن الانفعال هو أن يبكي . وإذا ما تمكنت حشرة صغيرة من لدغ الطفل كالبرغوث أو البعوضة فالطفل لا يملك إلا البكاء .
وقد تكلم عيسى في المهد بعد أن أقدره الحق على ذلك . ثم جاء الحق بحقيقة هي المقابل للمهد وهي الكلام في الكهولة . فإن كان قد تكلم في المهد إعجازاً ليبرئ أمه البتول فإنه سوف يتكلم كهلاً مبلغاً عن الله . ولم يتكلم عيسى ابن مريم وهو في المهد إلا بما قاله الحق في القرآن الكريم: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 30 - 33] .