لقد أراد أن يخرجهم من عدم العطاء إلى الوصية التي تكون منهم . وبعد أن استقرت الأحكام ، قرر الحق للوالدين نصيباً من الميراث . إذن جاء الأمر أولاً بتلطف في الخروج عن حكم الإلف والعادة والعرف ؛ حتى لا يخرجهم إخراجاً قسرياً . والحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل المال دُولة بين الأغنياء فحسب أي يتداولوه دون غيرهم ، بل يريد أن يجعل المال دولة بين الناس . لذلك جاء الميراث .
إننا عندما نحسب ميراث ألف فدان مثلا نجده قد ذاب وتقلص وتناثر خلال ثلاثة أجيال إلى فدانين وخمسة أفدنة . وهذا تدرج أجيالي لا قسري . حتى يرتب الإنسان حياته وحياة أبنائه ، فيترك المالك لأولاده ميراثاً وخيراً ليديروا العمل فيه . أما الذي لا يملك فهو يعطي لأبنائه حرفة أو وظيفة . لذلك يذيب الدِّيُن المسألةَ المالية والعقارية أو الإقطاع كما يقولون ، لا بالقسر حتى لا تحدث للمجتمع هزة حقد أو هزة توتر ؛ لأن الذي جمع ماله من عرقه ومن اجتهاده ساعة يرى المال قد خرج منه إلى من لم يعرق ومن لم يجد ، فهو يحقد ، والحق يقول: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 36 - 37] .
وساعة يحدث الضغن في المجتمع فإن كل استقرار وود ينتهي . وهذا هو منتهى التلطف في رعاية العادات . وكانت الخمر ومجالسها عادة موجودة عند العرب ، وكان من الصعب أن يخرجهم منها مرة واحدة . لذلك جاء تحريمها بتدرج وبتلطف والذكي والفطن عندما يسمع الآية التالية يعرف أن الله قد بيت للخمر تبييتاً محكما للقضاء عليها وذلك بتحريمها ، يقول الله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} [النحل: 67] .