وعندما يقول الحق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} يعلم المخاطبون ماذا يريده الله ، فيقولون: نعم انتهينا يا ربنا . وبالغوا كثيراً في هذا الانتهاء ، فالإمام عليّ - كرم الله وجهه - يقول: لو وقعت قطرة منها في بحر ثم جف البحر ، ونبت فيه الكلأ واندلع لساني من الجوع ما قربته . ولم يكن هذا أمراً مفروضاً ، ولكنها المبالغة في الانتهاء على أقصى صورة .
وها هوذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي . وهكذا كان رد فعل قول الحق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} . وبذلك تم حسم مسألة الخمر . ونعرف أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجاً ، والتكاليف الإيمانية إنما تأتى على لسان رسول ، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع ، وفي ذوات البشر في آن واحد . فلا نجد من يلوم نفسه ، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده ؛ هنا تتدخل السماء بإرسال رسول ، ولا تصب السماء كل أحكامها في أول الأمر ، ولكنها تدعو خلال الرسول بالإيمان بالله الواحد حتى يتلقوا منه الحكم . فالأيمان بوحدانية الله هو قمة العقيدة التي لا هوادة فيها .
لكن في الأمور التي تتعلق بالأحكام ، فالأحكام تُغيِّر أوضاعاً عرفية وأوضاعاً اجتماعية متداولة بين الناس . فإذا أراد الله أن يغير عادة بحكم فهو يأتي بهذه المسألة تدريجا ؛ لأنه سبحانه وتعالى يتلطف مع خلقه برحمته .
ومثال ذلك: كان الرجل يملك المال فلا يعطي أباه ولا أمه ، إنما يعطي المال لأولاده ؛ لأنه يعرف أن والده منته وسيموت قريبا ، وأن الابن هو الذي يستقبل الحياة ، ولذلك فالابن يأخذ كُلَّ المال . هنا قال الحق: لا ، إنك أنت يا صاحب المال قد تموت قبل أبيك فاترك له شيئاً . {إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180] .