ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق، كان صاحب ذلك يؤاخذ بهما؛ بما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"إِنَّ ثلاثًا جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَلاقُ، وَالعِتَاقُ، وَالنكَاحُ"، واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كانا يلزمان بلا شرط يصير به الموقع حالفا، وأعظم ما في رفع المؤاخذة في اليمين أن يرفع عنه اليمين وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل، ولكن يجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بَيَّنَّا من الخبر والنظر، مع ما لا يعرف في ذلك خلافًا، وهذا يوضح أن العفو فيما كانت الأيمان بالله تعالى؛ فعلى ذلك ما نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة، وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يمينًا، واللَّه أوجب في اليمين كفارة، وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب، ثم كانت اليمين بالقرب لو كانت على مخرج اليمين باللَّه لم يجب فيها شيء ؛ نحو أن يقول:"بالعتق لا أفعل كذا..."، أو:"بالصلاة..."أو"بالصيام..."، ولو قال:"باللَّه..."يجب؛ ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يمينًا كان بحق النذور، وقد أمر اللَّه ورسوله في النذور بالوفاء؛ فكذلك اليمين بها، ومما يبين ذلك أنه لو قال:"إن فعل كذا فعليه قتل فلان، أو إتلاف ماله"، أنه لا يلزمه شيء ؛ ثبت أن ما لزم - لزم بحق لزوم ذلك في النذور، وحق ذلك الوفاء لا غير، مع ما جاء الخبر بالأمر بالحلف باللَّه، والنهي عن الحلف بغيره والنذور أبدًا تكون بغيره؛ ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر؛ فلذلك يجب الوفاء به، واللَّه أعلم.
ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير اللَّه يكون على قسمين:
قسم: ألا يجب فيه شيء .
وقسم: أنه لو وجب لوجب المسمى، نحو: الطلاق، والعتاق فيما يجب، فلما كان في الحلف بالقرب في الذمة وهو حلف بغير اللَّه - تعالى - يجب به شيء يجب أن يكون الواجب في ذلك ما أوجب، واللَّه أعلم.