الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الطَّيِّبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانُوا حَرَّمُوا ذَلِكَ بِأَيْمَانٍ حَلَفُوا بِهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَقَالَ لَهُمْ: لَا يُؤَاخِذُكُمْ رَبُّكُمْ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَمَّا نَزَلَتْ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا الَّتِي حَلَفْنَا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الْآيَةَ"فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَيْمَانٍ حَلَفُوا بِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِمْ
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} بِتَشْدِيدِ الْقَافِ، بِمَعْنَى: وَكَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ وَرَدَّدْتُمُوهَا.
وَقُرَّاءُ الْكُوفِيِّينَ: (بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ) بِتَخْفِيفِ الْقَافِ، بِمَعْنَى: أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَعَزَمَتْ عَلَيْهَا قُلُوبُكُمْ