قوله تعالى: {ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ، ذلك إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الإطْعَام والكِسْوَة ، وتحْرِيرِ الرَّقَبَة يُكفِّر عنكم حِنْثَ اليَمِين وقْتَ حَلْفِكُمْ و"إذَا حَلَفْتُمْ"قال أبو البقاء:"منصوبٌ على الظَّرْف وناصبُه"كَفَّارة"، أي: ذلك الإطعامُ ، أو ما عُطِفَ عليه يُكَفِّر عنْكُمْ كَفَّارةُ"، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء ، أو التأنيث للكفَّارة ، والمعنى:"إذَا حَلَفْتُمْ حَنْثْتُم ، فترك ذِكْرَ الحِنْثِ ؛ لوقوع العلْمِ بأن الكفَّارة ، إنما تَجِبُ بالحِنْثِ بالحَلِفِ لا بنَفْسِ الحَلِفِ ، كقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أي: فأفْطَرَ".
؟ ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشريُّ ، وهو تقديرُ الحِنْثِ ، ولذلك عِيبَ على أبي البقاء قوله:"العَامِلُ في"إذَا"كفارةُ أيْمانِكُمْ ؛ لأن المعنى: ذلك يُكَفِّرُ أيْمَانكُمْ وَقْتَ حَلْفِكُمْ"، فقيل له: الكفَّارةُ ليستْ واقعةً في وقْتِ الحَلْفِ ، فكيف يَعْمَلُ في الظرْفِ ما لا يقعُ فيه؟ وظاهرُ الآية أنَّ"إذَا"متمحِّضَة للظرفيَّةِ ، وليس فيها معنى الشرطِ ، وهو غيرُ الغالبِ فيها ، وقد يجوزُ أن تكون شرطاً ، ويكونُ جوابُها محذوفاً على قاعدةِ البصريِّين يدُلُّ عليه ما تقدَّم ، أو هو نفسُ المتقدِّم عند أبي زَيْدٍ والكوفيين ، والتقدير: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُم ، فذلك كفارةُ إثْمِ أيْمَانِكُمْ ؛ كقولهم:"أنْتَ ظَالِمٌ إنْ فَعَلْتَ".
قوله تعالى: {واحفظوا أَيْمَانَكُمْ} قيل: المرادُ به تَرْكُ الحَلْفِ ، أي: لا تحلِفُوا ، وقِيل: المُرَادُ تَقْلِيلُ الأيْمان ، أي: لا تُكثِروا مِنْهَا.
قال الشَّاعر: [الطويل]
2050 - قَليلُ الأَلايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ...
فإنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ