يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي: بلّغ جميع ما أنزل إليك وأيّ شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ. أي: وإن لم تبلّغ جميعه كما أمرتك، فلم تبلّغ إذا ما كلفت به من أداء الرّسالة، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أنّ من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لكونها في حكم شيء واحد، لدخولها تحت خطاب واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلّغا غير مبلّغ مؤمنا به غير مؤمن وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. أي: يحفظك منهم أن يقتلوك، والنّاس هنا الكفار بدليل ما بعده إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. أي: لا يعطيهم الهداية لعدم اختيارهم لها وأخذهم بأسبابها، ومن ذلك عدم هدايتهم لما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وفي هذا السّياق - سياق الأمر بتبليغ الرسالة - تصدر له ثلاثة أوامر مصدّرة بلفظ «قل» الأول منها بعد هذه الآية مباشرة، واثنان منها في وسط المقطع. والأمر بالتبليغ في هذا
المقطع مع بيان عدم هداية الكافرين والفاسقين، وذكر خصائص من يستحق الهداية في آخر المقطع. ووصف اليهود والنصارى بما ينفّر منهم، كل ذلك ينسجم مع كون هذا المقطع امتدادا للمقطع السابق من حيث إنه ينفي أن تكون لليهود والنصارى ولاية للمؤمنين مع ما هم عليه، وينسجم مع المحور العام للسورة الذي يتحدّث عن من يستحق الهداية، ومن يستحق الضلال، وتفصيل لصفات هؤلاء وهؤلاء.
ملاحظات حول السّياق:
الأمر الأوّل المصدّر بقوله تعالى قُلْ في هذا المقطع هو: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ..
الأمر الثاني هو: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً الأمر الثالث هو: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا ...