وروى الإمام أحمد في"الزهد", واللالكائي عن خالد بن ثابت الربعي رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجل شاب قد قرأ الكتاب، وعلم علماً، وكان مغموزاً فيهم، وأنه طلب بعلمه وقراءته الشرف والمال، وأنه ابتدع بدعاً فأدرك الشرف والمال في الدنيا، ولبث كذلك حتى بلغ سناً، وأنه بينما هو نائم ليلة على فراشه إذ تفكر في نفسه فقال: هؤلاء الناس لا يعلمون ما ابتدعت، أليس الله عز وجل قد علم ما ابتدعت، وقد اقترب الأجل، فلو أني تبت.
قال: فبلغ من اجتهاده في التوبة أن عمد فخرق ترقوته وجعل فيها سلسلة، ثم أوثقها آسية من أواسي المسجد - أي: سارية من سواريه - قال: لا أبرح مكاني هذا حتى ينزل الله تعالى فيَّ توبة، أو أموت موت الدنيا.
قال: وكان لا يستنكر الوحي في بني إسرائيل.
فأوحى الله في شأنه إلى نبي من أنبيائهم: إنك لو كنت أصبت ذنباً بيني وبينك لتبت عليك بالغاً ما بلغ، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فماتوا فأدخلتهم جهنم، فلا أتوب عليك.
قال عوف: حسبته قال: يقال: إن اسمه بَرسيا - بفتح الموحدة، وإسكان الراء، وكسر السين المهملة، وتشديد المثناة تحت -.
قلت: وكأن هذا من جملة التشديدات التي كانت على بني إسرائيل.
وأمَّا في هذه الشريعة فإن توبة المبتدع مقبولة.
37 -ومنها: كثرة السؤال شكاً أو تشكيكاً، أو تعنتاً، أو امتحاناً.
قال الله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [سورة البقرة: 108] .
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [سورة البقرة: 67] الآيات.
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"اتْرُكُونِي مَا تَرَكتُمْ، فَإِذَا حَدَّثتكُم فَخُذُوا عَنِّي؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِم، وَاخْتِلافِهِم عَلَى أَنْبِيَائِهِم". وأصله في"الصحيح".
وهذا الحديث، ونظائره محمول على زمانه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنهم كانوا لا يزالون يسألونه عن الشيء وهو حلال حتى يحرم عليهم، كما ورد في الحديث.