وفي معناه ما روي عن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم: من البسيط
أَرى أُناساً بِأدْنىَ الدِّينِ قَدْ قَنِعُوا ... وَلا أَراهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ
فَاسْتَغْنِ بِاللهِ عَنْ دنْيَا الْمُلُوكِ كَمَا اسْـ ... تَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْياهُمْ عَنِ الدِّيْنِ
وهذا مطلوب من كل الناس، وأحق الناس به العلماء لأنهم شُرِّفوا بالعلم ورُفعوا به، فلا ينبغي لهم التنزل إلى حضيض الدنيا، ولأنهم قادة الناس، فإذا رغبوا في الدنيا حسب الناس أن رغبتهم فيها لشرفها أو فضلها فيرغبون، ولذلك كانت أصل موعظة عيسى عليه السلام في ذلك للحواريين، وهم وجوه الناس وعلماؤهم.
ومن ألطف ما يناسب ما هنا: ما رواه ابن عساكر عن محمد بن عبد الله البعلبكي قال: سمعت عن محمد بن يزيد يقول: كنت مع ابن المبارك ببغداد إذ رأى إسماعيل بن عُليَّة راكباً بغلة له على باب السلطان، فأنشأ يقول: من السريع
يا جاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بازِياً ... يَصْطادُ أَمْوالَ السَّلاطِيْنِ
لا تَبعِ الدِّينَ بِدُنْيا كَما ... تَفْعَلُ ضُلاَّلُ الرَّهابِيْنِ
احْتَلْتَ لِلدُّنْيا وَلَذَّاتِها ... بِحِيْلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّيْنِ
وَعُدْتَ مَجْنُوناً بِها بَعْدَ ما ... كُنْتَ دَواءً لِلْمَجانِيْنِ
تَفَكَّرَ النَّاسُ جَمِيْعاً بِأَنْ ... زَلَّ حِمارُ الْعِلْمِ فِي الطيْنِ
* تَنْبِيْهٌ:
إنما طلب أحبار يهود ورهبان النصارى الدنيا ليسودوا بها، فدخلوا في طلبها كل مدخل حتى تجاوزوا الحق إلى الباطل، فنودي عليهم في كتاب الله تعالى بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة التوبة: 34] .
ولو تركوها بغضاً لها وإعراضًا عنها لسادوا بتركها، وعزوا برفضها لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فطالبها أحقر الطالبين همة، وأرذلهم طريقة.
دخل محمد بن علقمة على عبد الملك بن مروان فقال له: من
سيد الناس بالبصرة؟
قال: الحسن.
قال: مولى أم عربي؟
قال: مولى.
قال: ثكلتك أمك، مولى سادَ العرب؟
قال: نعم.
قال: بم؟